You are currently viewing جولة افتراضية في سرابيوم سقارة

جولة افتراضية في سرابيوم سقارة

على مدى نحو أربعة عشر قرنًا، دفن المصريون العجول المقدسة أبيس تحت رمال صحراء سقارة. يقع الموقع في جبانة سقارة، على بعد نحو ثلاثين كيلومترًا جنوب القاهرة، شمال المجموعة الجنائزية للملك زوسر. كان العجل أبيس في حياته يُحفظ في معبد بتاح في منف، ويُعدّ تجسيدًا لهذا الإله. وعند موته يصبح أوزيريس-أبيس، وهو الاسم الذي صار سيرابيس في العصر الهلنستي، ومنه جاء اسم السرابيوم.

يزور الناس اليوم الدهاليز الكبرى، وهي أروقة منحوتة في الصخر بقي فيها أربعة وعشرون تابوتًا من الحجر الصلب في أماكنها.

المقابر الأولى

تعود أقدم الدفنات إلى عهد أمنحتب الثالث، من الأسرة الثامنة عشرة، في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وقد افتتح ابنه الأمير تحتمس الموقع. وطوال نحو 140 سنة، حتى عهد رمسيس الثاني، كان لكل عجل مقبرته الخاصة: ممر منحدر محفور في الصخر يقود إلى حجرة تضم التوابيت والأواني الكانوبية، تعلوها مقصورة مزخرفة ثُبّتت على جدرانها الخارجية لوحات نذرية. ويبدو أن الأجساد لم تكن تُحنّط بعد في ذلك العصر، فكان ما يتبقى من العجل يُحفظ في القار أو الراتنج.

ثم أمر خعمواس، ابن رمسيس الثاني وكبير كهنة بتاح، بحفر أول مقبرة جماعية: رواق تستقبل حجراته الجانبية العجول التالية. وهي «الدهاليز الصغرى» التي استُخدمت حتى بداية الأسرة السادسة والعشرين. وقد انهار سقفها في بعض المواضع، فاضطر مارييت إلى ترك عشرات الأمتار منها دون استكشاف. وفي عام 2020 بدأت بعثة في إزالة الرمال التي تغطيها وتثبيت الصخر، حتى يتسنى التنقيب فيها أخيرًا.

الدهاليز الكبرى

نحو عام 612 قبل الميلاد، حين مات أحد عجول أبيس، كان السرابيوم في حال سيئة. فرمّم بسماتيك الأول، من الأسرة السادسة والعشرين، المعبد، وأمر بشق رواق ثانٍ هو «الدهاليز الكبرى». ثم وسّعه البطالمة، فصار ممره الرئيسي يتجاوز 200 متر، ويحاذيه نفق للخدمة.

وبعد وضع العجل في حجرته كانت تُسدّ بجدار، تُثبَّت عليه لوحات تذكر في الغالب العهد الذي وُلد فيه العجل، وتنصيبه في معبد بتاح، ومدة حياته، وتاريخ جنازته. وفي القرن التاسع عشر ساعدت هذه التواريخ على وضع التسلسل الزمني لمصر القديمة، ولا سيما لعهود لم تحفظها قوائم الملوك. وفي عهد البطالمة جُمعت اللوحات على جدران المدخل ونفق الخدمة.

وفي العصر المتأخر، بحسب بردية أبيس، كان تحنيط العجل يستغرق 68 يومًا، ويُخصَّص اليومان الأخيران لمواكب جنائزية ينتهي آخرها في السرابيوم.

التوابيت

يعود أقدم التوابيت الأربعة والعشرين إلى عهد أحمس الثاني (أمازيس)، نحو 550 قبل الميلاد، وأحدثها إلى عهد أغسطس، بعد خمسة قرون. وهي منحوتة من الجرانيت أو البازلت أو الديوريت، ويزن الواحد منها نحو 40 طنًا، ويزن غطاؤه نحو نصف ذلك. وكانت تُنقل على أسطوانات، بالاستعانة بالروافع والعتلات. وتنخفض أرضية كل حجرة مترين إلى ثلاثة أمتار عن أرضية الممر، فكانت الحجرة تُملأ أولًا بالرمل، ثم يُدفع التابوت إليها، ثم يُزال الرمل شيئًا فشيئًا لإنزاله. وبحسب إحدى اللوحات، استغرق نقل أحدها مع غطائه إلى حجرته 28 يوم عمل، في السنة السابعة والثلاثين من حكم بطليموس الثاني، نحو 247 قبل الميلاد.

ولا يحمل نقوشًا إلا أربعة منها. فتابوت أحمس الثاني، من الجرانيت الأحمر، مزين بزخارف على هيئة ألواح وبتعويذة من نصوص الأهرام. أما تابوت قمبيز الثاني، أول حاكم فارسي لمصر، نحو 530 قبل الميلاد، فيسد المدخل الأصلي للرواق.

إعادة الاكتشاف

هُجر السرابيوم في بداية العصر الروماني، بعد عام 30 قبل الميلاد بقليل. وبدأ النهب في زمن كانت الهيروغليفية لا تزال تُقرأ فيه، إذ كُشطت أسماء العجول على كثير من اللوحات. ونُهبت المقابر كلها إلا اثنتين، ومُزّقت المومياوات، وكُدّست الحجارة فوق التوابيت علامةً على الازدراء.

وفي عام 1850 لمح أوغست مارييت، الذي جاء إلى مصر لجمع مخطوطات قبطية، رأس تمثال لأبي الهول بارزًا من الكثبان. فأزال الرمال عن الطريق الذي كانت تحفّه في الأصل 370 إلى 380 تمثالًا لأبي الهول، ويُرجَّح أنه أُنشئ في عهد نختنبو الأول، ودخل الدهاليز في نوفمبر 1851. ووجد فيها آلاف القطع المرتبطة بالعبادة. أما تمثال أبيس الذي عُثر عليه في مقصورة على الطريق فهو اليوم في متحف اللوفر.

فُتح الموقع للزوار بعد الحفائر بوقت قصير. وفي عام 1862 تناول أمير ويلز، الملك إدوارد السابع فيما بعد، الغداء مع مرافقيه داخل أحد التوابيت. وأحدث زلزال القاهرة عام 1992 شقوقًا في الجدران، فأُغلق السرابيوم، واستمرت أعمال تثبيت الأسقف والجدران من 2001 إلى 2012. ومعظم الدهاليز الكبرى مفتوح للزيارة اليوم.

مصطبة مريروكا

مصطبة مريروكا، الواقعة شمال هرم تيتي، أقدم بنحو ألف عام من أولى مقابر أبيس. كان مريروكا وزيرًا في بداية الأسرة السادسة، في عهد الملك تيتي (نحو 2345-2323 قبل الميلاد)، وقد تزوج إحدى بناته. وتضم مقبرته ثلاثين حجرة، منها ست لزوجته وخمس لابنهما مري تيتي. وتصوّر جدرانها قطعان الماشية، وصيد فرس النهر بالحربة، وصيد السمك والطيور، وتسمين الحيوانات ومنها الضباع، وتمثيلًا للفصول الثلاثة في التقويم المصري. وفي القاعة ذات الدعامات الست يخرج تمثال لمريروكا بالحجم الطبيعي من كوة، أمام المائدة التي كانت توضع عليها القرابين.

تمثال صاحب المقبرة داخل كوة، مصطبة مريروكا في سقارة.

المصادر: وزارة السياحة والآثار المصرية، بطاقتا «Serapeum» و«Tomb of Mereruka»؛ ويكيبيديا، مقالة «Serapeum of Saqqara» (بالإنجليزية) ومقالتا «Sérapéum de Saqqarah» و«Mastaba de Mérérouka» (بالفرنسية).

جولة افتراضية أخرى في مصر: مقبرة رمسيس السادس في وادي الملوك.

هذه الجولة جزء من فهرس الجولات الافتراضية في التراث الجوفي.

شارك هذه الصفحة: